الباحث و المؤرخ و الفيلسوف التونسية محمد البشير البوكادي يكتب : مملكة سبأ الأصول و الامتداد

الباحث و المؤرخ و الفيلسوف التونسية محمد البشير البوكادي يكتب : مملكة سبأ الأصول و الامتداد

تاريخ اليمن القديم يُقصد بتاريخ اليمن القديم تاريخَ بلاد اليمن منذ الألف الثانية قبل الميلاد حتَّى القرن السابع بعد الميلاد، وهي الفترة الزمنية التي عاشتْ فيها الحضارات الصيهدية في اليمن، وقد انقسم تاريخ اليمن القديم إلى ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة مملكة سبأ ثمَّ مرحلة الدول المستقلة -كمملكة حضرموت وقتبان ومعين- ثمَّ مرحلة مملكة حمير، وقد اشتهرتْ الديانات الوثنية في تاريخ اليمن القديم، وتعدَّدت الآلهة في المراحل الأولى، ثمَّ توحَّدتْ الآلهة عندهم في عصر الحميريين، وقد اشتهرتِ الزراعة في تاريخ اليمن وبناء السدود كسد مأرب، كما عُرفتْ عندَ اليمنيين القدماء، وهذا المقال سيسلِّط الضوء على مملكة المرحلة الأولى في تاريخ اليمن القديم وهي مملكة سبأ.

[١] مملكة سبأ مملكة سبأ هي مملكة عربية قديمة عاشت في اليمن واختلف المؤرخون في الوقت الذي عاشت فيه، فقيل إنَّها وجدت في الألفية الثانية قبل الميلاد وتحديدًا في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وقيل إنَّ ظهورها الواضح كان في القرن العاشر والتاسع قبل الميلاد، وهي من أكبر الممالك في تاريخ اليمن القديم، قامت هذه المملكة على نظام سياسي كبير يشبه النظام الفيدرالي الحديث حيث جعلت من مملكة حضرموت ومملكة معين وقتبان ولايات تتبع لسبأ بالحكم السياسي، وقد امتدَّت مستعمرات سبأ في المنطقة العربية حتَّى ورد في النصوص الآشورية أدلَّة على وجود مستعمرات سبئية في فلسطين والعراق.

[٢] لم يزل تاريخ سبأ السياسي غامضًا إلى حدٍّ ما، باستثناء ما فعله بعض المستشرقين من بحوث واكتشافات التي أزالتْ بعض الغموض عن تاريخ هذه المملكة، ولكنَّ التسلسل الزمني -أو ما يُعرف بالكرونولوجيا- ما زال غامضًا في تاريخ هذه المملكة، وقد وردَ ذكر هذه المملكة في أدبيات اليونانيين والبيزنطيين والعرب، فقد كانت مصدر القوافل البحرية الخاصة بالبخور والتوابل والعطور، هذا الحضور الاقتصادي والسياسي الكبير لمملكة سبأ جعلها تردُ في نصوص الشعوب الأخرى التي جاورت المملكة، وسبأ هو جد قبيلة عربية قديمة، وسبأ يعني قاتل أو حارب كما جاء في الآثار الحجرية المكتوبة بخط المسند.

[٢] أمَّا من حيث الديانة فقد عبد السبئيون القمر والشمس والزُّهرة، ثمَّ عبدوا الأصنام في القرن الرابع قبل الميلاد بعد أن تغيَّرت الأسرة الحاكمة، وعبدوا حيوان الوعل الذي كان يرمز إلى كوكب الزُّهرة أيضًا، وفي القرن الأول قبل الميلاد عبد السبئيون الإله الواحد الرحمن والغالب أنَّ هذه الفترة هي الفترة التي حكمت فيها بلقيس مملكة سبأ والتي تزوجت من نبي الله سليمان -عليه السلام- في تلك الفترة.

[٢] نشأة وازدهار مملكة سبأ شهدتْ مملكة سبأ ازدهارًا كبيرًا وذلك بسبب موقعها الاستراتيجي المميز، فقد قامت في طريق التوابل القديم إلى الهند، هذا الطريق الذي كان يمرُّ في ميناء غزَّة إلى جنوب شبه الجزيرة العربية حيث كانت تقع سبأ، وكان هذا الطريق هو أكثر الطرق التجارية ربحًا في العالم آنذاك، فأغلب البضائع الثمينة كانت تمرُّ من خلال هذا الطريق كاللبان العربي والمر الذي كان يستخرج من السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية بالإضافة غلى التوابل الهندية التي كانت من أثمن الأشياء في ذلك العصر، ومن الجدير بالذكر إنَّ المعينيين في البداية سيطروا على تجارة التوابل والبخور واكتفى السبئيون بالمشاركة البسيطة في هذه التجارة، وفي عام 950 قبل الميلاد تمكَّن السبئيون من السيطرة على طريق التجارة كاملًا.

[٣] وبعد أنْ سيطر السبئيّون على طريق تجارة التوابل والبخور قاموا بتنظيم هذه التجارة تنظيمًا ساهم في رفع اقتصاد مملكة سبأ بشكل ملحوظ، حتَّى أصبحت مملكة سبأ أغنى الممالك في جنوب شبه الجزيرة العربية، وأصبحت مركزًا من أهم المراكز التجارية في العالم آنذاك، تخرج منه البضائع القادمة من الهند إلى مصر وبابل وبلاد الشام كاملة، وبسبب هذا الازدهار الاقتصادي اهتم السبئيون بالعمران اهتمامًا كبيرًا، فقاموا ببناء سدَّ مأرب الذي يُعدُّ أقدم سد في العالم، فأسهم السد في ازدهار الزراعة في سبأ فارتفع اقتصاد البلاد من جديد، فعاش السبئيون برخاء ونعيم منذ القرن السابع قبل الميلاد الذي ازدهرتْ فيه سبأ بشكل ملحوظ.

[٣] مملكة سبأ في الكتب السماوية لقد ذُكرت مملكة سبأ في كثير من النصوص التاريخية للحضارات والأمم القديمة، وهذا دليل على تأثيرها الكبير بالدول التي حولها والشعوب التي جاورتها، فقد ذُكرتْ هذه المملكة في التوراة وهو الكتاب المنزل على نبي الله موسى عليه السلام، كما ذُكرت سبأ في نقوش الآشوريين التي خلَّفها الملك سرجون في القرن السابع قبل الميلاد، وجاء ذكر سبأ أيضًا في القرآن الكريم في غير موضع واحد، فذكر القرآن الكريم النعيم الذي كان يعيش فيه السبئيون والجنان والخضرة والرخاء، قال تعالى في سورة سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}،[٤]ووردتْ سبأ أيضًا في سورة النمل في قصة ملكة سبأ بلقيس ونبي الله سليمان عليه السلام.

[٥] سقوط مملكة سبأ لقد بدأت شمس مملكة سبأ تغيب، وبدأتْ هذه المملكة العظيمة بالانحدار عندما قام البطالمة في مصر بتغيير طريق التجارة من الطريق البري إلى الطريق البحري، هذا التغيير ضرب الاقتصاد السبئيَّ في مقتل، فتعامل البطالمة في مصر مع مدينة قاني الساحلية ألغى دور السبئيين في طريق التجارة، ليكون البحر بديلًا عن الواسطة السبئية ولتصبح مدينة قاني الساحلية مركز تجمع التجار من الشرق، وبالإضافة إلى هذا الانحدار الاقتصادي الذي شهدته سبأ تعرَّضتْ هذه المملكة للغزو، فقد هاجمها الحميريون واستولوا على مناطق واسعة كانت تتبع لها، كلُّ هذه العوامل أدَّت إلى سقوط مملكة سبأ عام 275 للميلاد.[٣]

فريق تحرير فيسمغازين بالعربي

5