فيسمغازين بالعربي : الثورة تضع ليبيا في دوامة العنف والتطرف والابتعاد عن الهدف الحقيقي

ليبيا  –   فيسمغازين بالعربي 

مقال رأي 

الثورة الليبية تلوح في الأفق، وسيكون من الجدير بنا أن نلقي نظرة إلى ما حدث بعدها و ما الذي يحدث الآن و ما سيحدث لاحقا في بلاد أصيبت بضربة في الصميم وتعاني منذ ذلك الحين سنوات من الإضظراب رغم مزاياها البادية للعيان من الثراء النسبي وصغر حجم السكان و الموقع الإستراتجي.
علينا أن نسأل أنفسنا أولا: ما الذي حدث في يوم 17 فبراير 2011 . هل كانت الإنتفاضة التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي أمر حتمي لا مناص منه؟ هل كانت لتحدث حتى لو أن جاراتيها مصر وتونس لم يشهدا أي ثورة ضد الوضع الراهن الذي كان قائما؟
للإجابة بصدق وأمانة، يتعين على المرء أن يعترف بأن القذافي كان قد انتهج سياسة خارجية ودبلوماسية متطرفة جعلت من ليبيا دولة منبوذة دوليا. كما جعل من ليبيا دولة اشتركية متعسفة على نحو ينتاقض مع واقع حال الشعب الليبي وتاريخه، هذا الشعب الذي شهد بأم عينيه حالة العوز والحرمان التي يعانيها بالرغم من الثروات التي تزخر بها بلاده والأقطار العربية المماثلة في الخليج.
ومع هذا، إذا ما سألت المواطن الليبي العادي اليوم فإن الغالبية ستسارع إلى الإعتراف دون تردد بأن نظام القذافي قد تغير تغيرا جذريا منذ 2005، ليصبح أقل قمعا وأكثر انفتاحا على الغرب مع تهيئته لبيئة استثمارية أكثر ملائمة بالنسبة للقطاع الخاص.  كما أقدم النظام على إطلاق سراح العديد من السجناء السياسيين و تقديم التعويضات لقاء الممتلكات المصادرة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات و شرع في بذل جهود جادة لتحقيق المصالحة مع المعارضة السياسيه في الخارج، والتي بمنطلقها رجع عدد كبير منهم بآمان إلى أرض الوطن. ذاك القذافي المشتعل نيرانا بدا أخيرا وكأنه يهدأ ويخبو، ففتح ذهنه وشعر أنه بات في مأمن من المخططات التآمرية الغربية، والتي كان أغلبها من نسج الخيال، بعد أن قام بتسوية قضاياه العالقة مع الحكومة الأمريكية بشأن دعمه للإرهاب وحيازته لأسلحة الدمار الشامل.
“بعد انقضاء سبع سنوات، يمكننا الآن أن نرى طبيعة ثورة 2011 – وتورط قوى أجنبية وأطراف سياسية داعمة – الأمرالذي أوجد بيئة يتفشى فيها الحقد ونزعات الإنتقام الأعمى، أفضت إلى دائرة من التحريض على الكراهية والثأر”
وعندما نمحص النظر من هذه الزاوية، فإنه يبدو أمرا غريبا أن تندلع ثورة عند هذه النقطة تحديدا وبين ظهراني شعب كان قد انتظر بفارغ الصبر قرابة 40 سنة انقضاء ابشع أيام نظام القذافي وأسوأها. ونظرا لعدم وجود إجابة واضحة عن السبب الذي يقف وراء انطلاق هذه الثورة،  فقد أدى هذا إلى تنامي الاعتقاد السائد، بين الليبيين على الأقل، بأن الأمر برمته مؤامرة مدبرة من قبل فرنسا وقطر أيضا. وبصورة أكثر تحديدا، فإن هاذين البلدين قاما بإستغلال الأحداث الدائرة في كل من مصر وتونس واتخاذ دورهما كقوة مناصرة للثورة بالتنسيق الوثيق مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، والذي قام القذافي بنفسه بإطلاق سراحهم من السجن وتأمين عودتهم من المنفى.
أما المسألة الثانية فهي ما يجري في البلاد حاليا.  فلا يخفى على أحد بالتأكيد ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا من سوء– فالبلاد في حالة من التدهور المستمرعلى كافة الأصعدة. والنظام و القانون شبه منعدمين، مع وجود مئات المليشيات التي تتصارع من أجل السيطرة. و نشوب اشتباكات متفرقة فيما بينها، تستمرهذه الميليشيات بإلحاق الضرر بالبنية التحتية وإثارة الذعر بين السكان والتسبب في وقوع أضرار جانبية في كل مكان.  كما تعد حالات الإختطاف لدوافع سياسية أو قبلية أو من أجل الحصول على فدية من ضمن الأحداث اليومية المتكررة. ، وقد اختفى بعض الضحايا منذ سنوات بدون أي أثر لهم، بينما تم العثورعلى جثث البعض الآخر مقتولة وذلك لعجز أسرهم عن توفير الفدية المطلوبة. وعلى الصعيد السياسي، لا يمكن أن تكون الأوضاع أسوأ مما هي عليه، في ظل وجود حكومات متعددة و حالة الإنهيار الكامل للخدمات العامة وحالة التفتت و التشرذم التي طالت كافة الأصعدة الدينية والسياسية والقبلية والإقليمية.  إن هذه الظروف قد جعلت من العسير للغاية على مبعوثي الأمم المتحدة، بما في ذلك المبعوث الأممي الخامس إلى ليبيا السيد غسان سلامة  والعديد من ممثلي الجامعه العربية والإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي وأعضاء مجلس أمن الأمم المتحدة الدائمي العضوية، حتى مجرد الاقتراب من الوصول الى اتفاق سياسي وشيك والتخطيط من أجل التصدي  للشواغل الخطيرة طيلة السبع سنوات الماضية. بل وحتى بعد العديد من العمليات الإنتخابية التي أجريت وبعض الاتفاقات السياسية الأولية التي حضيت بمباركة دولية، إلا أن البلاد تبدو أشد انقساما وفرقة من أي وقت مضى. وفي خضم الحياة اليومية،  يئن المواطن تحت وطأة تعدد المصارف المركزية والحكومات والانقطاع المتكرر للكهرباء والنقص الحاد في المياه واستفحال أزمة نقص السيولة النقدية التي تسببت في تشكل طوابير طويلة أمام المصارف، والمفارقة الأكثر مدعاة للسخرية، شح الوقود في عقر دار واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز في العالم.
وبالنظر في المسألة الثالثة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا حول “ماذا الذي سيحدث لاحقا؟”، يتمثل في استمرار حالة الفوضى الراهنة والانقسام في المستقبل المنظور. نعم سيكون هنالك بعض من الاتفاقات الأساسية و، نعم، ستكون هناك انتخابات جديدة،غير أن هذه الأشياء ستكون ببساطة مجرد فقاعات خاوية سرعان ما تطفو على سطح وطن يعاني من انقسامات عميقة، إلى حد ما، جراء خلافات لا يمكن رأبها.
 إن احتدام هذه الاختلافات والصراع يعزى إلى أساس واقعي مفاده إن أيا من المجتمع الدولي أو الشعب الليبي نفسه لم  يعترفا في 2011 بحقيقة أن:  الثورة كانت، في حقيقة الأمر، عبارة عن حرب أهلية دارت رحاها بين أولئك الذين أيدوا القذافي و أولئك ممن عارضوه، والتي بدورها انحدرت لتصل إلى حالة من الاقتتال الداخلي والتناحر التي نشهدها اليوم. ونظرا لإخفاق الجميع في الوقوف على حقيقة أن الأحداث الدائرة أنذاك كانت مجرد حرب أهلية، فلم يكلف أي أحد نفسه عناء وضع خطط لمرحلة ما بعد الصراع ونزع سلاح الأطراف المتناحرة وإعادة ادماجهم وبدء جهود المصالحة السلمية التي من المفترض أن تأتي عقب أي صراع أهلي مسلح.
وعلاوة على ذلك، فإن طبيعة الثورة وما حدث فيها من تورط قوى أجنبية وأطراف سياسية داعمة من شأنه أن خلق بيئة يتفشى فيها الحقد ونزعات الإنتقام الأعمى،  أفضت إلى دائرة من التحريض على الكراهية والثأر.
وأخيرا، يمكن حوصلة كل ما ذكر في استنتاج واحد بسيط: إن ثورة 17 فبراير قد فشلت فشلا ذريعا في الأخذ بالجوانب الجيدة من نظام القذافي ومواصلة البناء عليها، وتصحيح ما وقع فيه من أخطاء. إنها ببساطة قامت بالكامل بإقتلاع  ونسف أية مكاسب كانت قد حققتها ليبيا منذ استقلالها في عام 1952 ولتجعل من البلاد الأولى من نوعها في العالم التي تدار من قبل عصابات مسلحة مختلفة المشارب والأهواء، السياسية منها والقبلية والأخرى الإجرامية.
قاسم نصير