النعوشة ……

تونس  – فيسمغازين بالعربي

“نتبع الذكر لين يصير راعي للبقر ونتبع البنية لين تصير صبية.. “

 

النعوشة أو كما تعرف بأم الصبيان أو أم الذراري هي إحدى الأساطير التونسية القديمة التي مازالت تسرد على المسامع إلى اليوم.

من المرجح أن تكون خرافة لكن ان سألت عنها كبار العائلة لن تنام الا و أنت مقتنع بوجودها!

لنتعرف معا على “النعوشة”.

تعود هذه القصة إلى زمن غابر غير معلوم إذ لم يعد أحد يذكر متى حدثت و لا أين.

و لكن نستطيع أن نجزم أن أحداثها المتناقلة عبر الأجيال ثابتة و ان اختلفت في بعض التفاصيل.

يحكى أن امرأة شابة حرمت من الإنجاب فقد كانت كلما حملت طفلا أجهضته بسبب ما كانت تعانيه من جبروت و قسوة زوجها الذي كان يحملها ما لا طاقة لها به من عمل في الفلاحة و اهتماما بشؤون البيت و إعداد للطعام مما جعلها تعاني الوهن و الضعف الشديد مثلها مثل نساء تلك الفترة.

ضحك القدر في وجهها يوما و حملت المرأة بعد طول انتظار و دعت كثيرا أن يرى وجه هذا الطفل النور ، و كان لها أخيرا ما أرادت.

اعتنت به كثيرا و أحبته حبا جما كيف لا و هو وحيدها المنتظر.

و مرت الأيام، صار الطفل صبيا و اشتد عوده قليلا.

أنهت المرأة أعمالها اليومية و تفرغت لإعداد الطعام لكنها احتاجت إلى غربال لتكمل عملها فبعثت بولدها لإحدى الجيران ليستعيره منها و أوصته بعدم التأخر علما و أن المنازل في ذلك الوقت كانت متباعدة نوعا ما.

أخذ الصبي الغربال وهم بالعودة لكنه وجد في طريقه عصفورا جريحا فوضع الغربال جانبا و أراد الإمساك به لكنه كان كلما اقترب منه قفز بعيدا عنه.

في هذه الأثناء، كانت أمه تتخبط قلقا و حيرة من جهة و خوفا من جهة أخرى فزوجها سيأتي قريبا و هي لم تعد العشاء بعد.

أدرك الصبي أن الشمس قد غربت و أن الظلام قد حل فعاد و أخذ الغربال و أسرع الخطى نحو المنزل.

ما إن وصل المكان حتى انهالت عليه أمه بالضرب المبرح دون توقف حتى فارق الحياة بين يديها و أصبح جثة هامدة.

لم تتمالك الأم نفسها و راحت تصرخ بأعلى صوتها و تمزق ثيابها و تنهش لحمها. لقد قتلت بيديها ولدها الذي انتظرته سنوات كثيرة!

و فجأة، كسى الريش جسدها و نبت لها جناحان كبيران و تحول أنفها إلى منقار و دوى صوتها في الأرجاء : “نتبع الذكر لين يصير راعي للبقر و نتبع البنية لين تصير صبية” ثم طارت عاليا.

أما كلماتها فتعني أنها لن تترك صغارا على قيد الحياة و ستلاحقهم حتى يشبوا.

تلاحق النعوشة الأطفال ليلا عندما ينام الأهل أو يغفلون عنهم فتنقض عليهم و تمتص أدمغتهم عبرفتحات أنوفهم أو أذانهم بمنقارها الطويل.

لذلك كثيرا ما نسمع الكبار ينبهون :” لا تخرج أو تلعب وحيدا بعد الغروب، ستأتيك النعوشة و تقتلك” و هناك عادة معروفة أيضا تقتضي بأن لا تترك ملابس الرضيع خارجا أو معلقة على حبل الغسيل بعد الغروب و أن تقفل النوافذ أيضا.

أما تفسير ذلك، فالنعوشة تصطاد فرائسها بالليل و تنجذب إلى رائحة الأطفال من خلال ملابسهم المعلقة ثم تحاول الوصول إليهم عن طريق النافذة أو الباب المفتوح.

يذكر أنها تملك صوتا مخيفا أشبه بالصراخ و العويل يطلق عليه “الدليل” لأن الناس يستدلون به عليها فيتوخون الحيطة و الحذر.

كيف ذلك؟

علاوة على الحيطة المتخذة بعد غروب الشمس، فإن الأسطورة تقول يجب على الاهل ان يعلقوا غربالا في المطابخ أو في وسط البيت أو عند رأس الرضيع لأنه يذكرها بسبب موت ولدها فتهرب بعيدا.

معاهدة النعوشة :

يذكر أنهم كانوا يعاهدون النعوشة إذ ينتظرون قدومها و يمسكون بها أسيرة و يمسحون مقدمة رأسها بزيت الزيتون ثم يعاهدونها على أن لا تمس أحد من سلالتهم بسوء فتطأطأ هي برأسها و هكذا تتم المعاهدة و يطلق سراحها.

 

هل “النعوشة” موجودة فعلا؟

النعوشة هي طائر حقيقي يشبه البوم لكنها أكبر حجما و تملك جناحان طويلان جدا و منقارا طويل و حاد و تتواجد بكثرة في الشمال و الجنوب و خاصة المناطق النائية. و قد ثبت علميا أنها تنجذب لرائحة الأطفال لذلك هي تستطيع أن ترصدهم من ملابسهم.

 

 

خلود سعيدي