الرئيسية / مقالات رأي / الفيلسوف و المؤرخ التونسي الاستاذ محمد بشير البوكادي يكتب : الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا
الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا
الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا

الفيلسوف و المؤرخ التونسي الاستاذ محمد بشير البوكادي يكتب : الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا

الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا

الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا

الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا

الفيلسوف و المؤرخ التونسي الاستاذ محمد بشير البوكادي : الجندر في الفلسفة العربيّة في ضوء القراءة النسويّة لتاريخ الميتافيزيقا

هل هناك تأويل “نسوي” للفلسفة العربيّة؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فعلينا أن نسأل: لماذا تأخّر هذا النوع من البحث في فرض نفسه علينا إلى حدّ الآن؟ وكيف تعامل الفلاسفة العرب من الكندي إلى ابن رشد مع “الفرق بين الجنسين” في بلورة معنى “الإنسان” في نطاق برادايم “الموجود” الذي اشتغلوا من خلاله؟ أم أنّ تماهي الفلاسفة لدينا مع “الجندر” السائد قد ألغى سلفاً كلّ نوع من التساؤل عن مدى تورّط “الميتافيزيقا” (من خلال مقولاتها الأساسيّة من قبيل “الجوهر” و”الماهيّة” و”الطبيعة” و”النفس” و”الهويّة” وحتى “الإنسان” والقول في “الذكر والأنثى”…) في الخضوع لتلك القرارات المعياريّة غير المرئيّة حول “النساء” أو “الأنثى”؟

يجدر بأيّ بحث يقصد اليوم معالجة هذا النوع من الصعوبات الجندريّة أن ينخرط داخل تقليد التأويلات النسويّة لتاريخ الفلسفة[1] التي أخذت في الظهور منذ ثلاثة عقود، وهو مبحث أقام خطّته على مساءلة طريقة “إقصاء” النساء من المدوّنة الفلسفيّة أو غلبة التوصيف “السالب” لحضورهنّ داخلها. ومن ثمّ هي قد جعلت من مسألة “الفرق الجنسي” ثمّ قلق “الجندر” خيطاً هادياً في إعادة قراءة النصوص الفلسفيّة القديمة من أفلاطون[2] وأرسطو[3] إلى ديكارت[4] أو هيغل[5] وحتى دريدا[6]. وهو منحى أدّى بوجه ما إلى ارتسام جناحين نسويّين متباينين؛ أحدهما جيّد يُنسب إلى أفلاطون الذي اعترف، في محاورة الجمهورية، بإمكانيّة ظهور مهارة أنثويّة حيث يقترح تربية النساء من أجل الحكم الفلسفي للمدينة، على عكس الجناح الآخر السيّء الذي مثّله أرسطو، الذي ظلّ يؤكّد على فضيلة الرجال في القيادة في حين أنّ فضيلة النساء لا تتعدّى الطاعة.[7]

ما يهمّنا “نحن” في هذا المبحث هو إثارة السؤال عن معنى قراءة نسويّة للفلسفة العربيّة في ضوء دراسات الجندر. أجل، لا بدّ من الإقرار بأنّ العديد من الدراسات الغربيّة قد اهتمّ بالبحث في النسويّة “العربيّة”[8] أو “الإسلاميّة”[9]، من حيث علاقتها الإشكاليّة بمصادرها الدينيّة أو التراثيّة، لكنّ الفلسفة العربيّة بما هي كذلك قد ظلّت خارج مدار البحث، أو هكذا يبدو. فالمحاولات القليلة في هذا الصدد التي قد نعثر عليها انصرفت إلى مساءلة “الخطابات حول الفروق في الجنس” في منطقة أخرى غير الفلسفة، ونعني خاصّة مصنّفات المسلمين في الطّب[10]. نحن نذكر هذا النوع من البحث لأنّه بمثابة الطبقة الصامتة من نصوص الفلاسفة حول الجسم: كان “الطّب” الورشة الخلفيّة التي نهل منها الفارابي أو ابن سينا أو ابن رشد آراءهم الفلسفيّة حول كيفيّة نشوء الجسم الإنساني.

سوف نكتفي هنا بدراسة عيّنة فقط من اللقاء “الجندري” مع “الجنس الثاني” في نصوص الفلسفة العربيّة، ألا وهو كتاب الفارابي آراء أهل المدينة الفاضلة، ولا سيّما الفصل 21 منه[11] حيث يطرح تأويله الجندري لمنزلة الأنثى.

وما يحدونا هو: كيف أجاب الفارابي عن السؤال: “كيف صار الموجود أنثى”؟ كيف فسّر “حدوث” نوع من الموجودات يحمل صفة “الأنثى” بجانب موجود آخر يوصف بأنّه “ذكر”؟

كان دولوز/ وغاتاري قد أشارا في كتابهما ألف مسطّح إلى معنى “le devenir femme”[12] “التصيّر امرأة” (becoming woman) بوصفها نمطاً “جذريّاً” من الحياة الحرّة. “الصيرورة” بوصفها مسار “الرغبة” المفتوح على كيانات عدّة: صيرورة-المرأة، صيرورة-الطفل، صيرورة-الحيوان، صيرورة-الجزيء. وهو مفهوم أثار حفيظة نسويّة كبيرة دفعت لوسي أريغاري إلى التنبيه إلى أنّ دولوز يفترض بذلك أنّه يمكن أن يتصيّر الكائن امرأة دون علاقة بالانتماء المادّي أو الأصلي للجسد.[13]

وهو سوف يقودنا إلى معاجلة مسألتين:

أ- كيف نعيد بناء مفهوم “المادّة” في أفق قراءة نسويّة لأنطولوجيّة الجوهر؟

ب- ما دلالة التأويل الأنطولوجي الذي عرضه الفارابي لطبيعة العلاقة بين “الذكر والأنثى”؟

1) المادّة في أفق قراءة نسويّة لأنطولوجيّة الجوهر

ينبغي أن نذكّر بأنّ الفارابي، مثله كلّ المتفلسفة في نطاق تقاليد الميتافيزيقا، قد بدأ أوّلاً بتهيئة “أنطولوجيا الجوهر” التي تجعل الكلام في “الإنسان” عامّة من حيث هو “موجود” أمراً ممكناً. ولا بدّ أن نلاحظ أنّ كلّ “أجناس” الموجود هنا هي “ذكور” أو “مذكّرة” سلفاً وبشكل “بديهي”: الموجود عامّة، الله أو الموجود الأوّل، الجسم، الإنسان. إنّ “النحو” أو “اللسان” قد أدّى دوره سلفاً، ورسم ملامح المنتظر الميتافيزيقي: تصوّرٌ ذكوريٌ للعالم منصَّبٌّ بوصفه الشكل النمطي من كينونة الكائن مهما كان “جنسه”.

وذلك يعني في كتاب الآراء أن يتمّ رسم ملامح “الموجود الأوّل”[14] (بوصفه كائناً ذكريّاً هو “سبب سائر الموجودات” و”دائم الوجود بجوهره وذاته”= لا يخلق إلّا الذكر الأصلي وكلّ ما عداه مؤنّث أو أنثى)، (الفصول 1-7) ثمّ “مراتب الموجودات”[15] الأخرى وطريقة “صدورها” عنه (وهي كثرة في صيغة المؤنث)، (الفصول 8-19). ما يهمّنا من هذا التنبيه هو أنّ القول الفلسفي القديم في “المرأة” مثله مثل القول في “جنسها” إنّما كان دوماً رهين القول الميتافيزيقي في “الموجود” بوصفه “جوهراً” ذكريّاً، أو “هويّة” أو “ماهيّة” أو “ذاتاً” ولكن مفهومة بوصفها “جوهراً” مذكّراً. ذلك أنّه ثمّة، حسب جوديت بتلر، رابط بنيوي لا يمكن إنكاره بين “الهويّة والجنس وميتافيزيقا الجوهر”[16] هو الذي هيمن على الفهم التقليدي لمفهوم الأنثى أو المرأة أو النساء. تقول بتلر: “ما هو مركزي في كلّ واحدة من هذه الرؤى هو، مع ذلك، التصوّر بأنّ الجنس يظهر في نطاق اللغة المهيمنة بوصفه جوهراً، بوصفه، متى تكلّمنا بشكل ميتافيزيقي، كائناً مطابقاً لذاته”.[17]

ذلك يعني أنّ “لقاء” الفارابي والفلاسفة العرب مع مقولة “الأنثى” إنّما تمّ تحت وطأة نوع محدّد من القول الأنطولوجي الذي كان يفترض تماهياً تامّاً بين “الموجود” و”الذكر” و”الماهيّة” التي تشكّل “هويّته” بوصفه ذاتاً. وهو قول يتميّز أوّلاً بأنّه “سببي” (لا بدّ من “سبب أوّل” أو “ذكر أوّل” يجعل أيّ موجود “آخر” ممكناً)، وهو ثانياً “حادث” بشكل “فيضي” عن موجود سابق (ضمن بيولوجيا مركزيّة هي وحدها مفتاح تصنيف أجناس الموجودات)، ولكن على الخصوص، هو، ثالثاً، كائن مغلق على “ماهيّة” لا يمكنه الفكاك منها (لأنّها ماهيّة صادرة أو حادثة بشكل لا مردّ له عن “هويّة” سابقة لا تقبل التفاوض أو المراجعة).

ما نعثر عليه في الفصل الحادي عشر من الآراء هو رسم خارطة توزيع الموجودات والأجسام الطبيعيّة، وهو التوزيع القديم إلى جماد ونبات وحيوان غير ناطق وحيوان ناطق. إلّا أنّ ما له دلالة هنا هو التمييز الأصلي ضمن هذه الموجودات بين ما هو “طبيعي” وما هو “إرادي”، وخاصّة تأكيد الفارابي على أنّ ما هو طبيعي هو “متقدّم بالزمان” عمّا هو إرادي. نحن لا نستطيع أن نكون الجنس الذي نريده، لأنّ طبيعة سابقة قد حدّدت ذلك الجنس. إنّ أقصى ما نريده هو مشكل “زماني” بالنسبة إلى هويتنا من حيث هي محصورة في “طبيعة” ما. لم يكن توزيع الموجودات قراراً سرديّاً، بل تنزع الميتافيزيقا التقليديّة إلى تقديم الموجودات أو الأجسام وكأنّها “صادرة” عن “حقيقة” سابقة عليها بشكل لا يُردّ. وهو الدور النظري لماهيّة “الموجود الأوّل” أو “الله” (من حيث هو اسم شبه “سردي” أو “تخييلي” فقط للسبب الأوّل): إنّه دور تأسيسي عابر للأجناس لا يقبل التفاوض ولا يمكن أن يكون له أيّ دور آخر. ومن ثمّ فإنّ كلّ موجود له “منزلة” أنطولوجيّة مقرّرة سلفاً، فهو لا “يوجد” إلّا بقدر ما “يتجوهر”[18] بالشكل الخاص به. وكلّ ما عدا ذلك هو مجرّد “أحوال”[19] تطرأ عليه دون أن تدخل في ماهيته.

هذا التأسيس الأنطولوجي لم يكن ممكناً من دون قرارات ميتافيزيقيّة تمكّن من تفسير وجود الموجودات والأجسام. ولذلك فإنّ ما نعثر عليه في الفصل الثاني عشر من الآراء (القول في المادّة والصور) هو الورشة “الفيزيائيّة” الخلفيّة للقول “الميتافيزيقي”، إذ تمّ ابتكار مسألة “المادّة” حيث يمكن الكشف عن طريقة “حدوث” الإنسان في أفق الموجود عامّة.

ومن المفيد أن نشير إلى أنّ القراءة النسويّة المعاصرة لنصوص الميتافيزيقا، وخاصّة أفلاطون وأرسطو، قد ركّزت بشكل مثير، كما نرى ذلك في أعمال لوسي أريغاري[20] أو جوديت بتلر[21]، على مسألة “المادّة” و”الماديّة”. وحسب بتلر[22] فإنّ نواة القراءة النسويّة التي طوّرتها، مثلاً، لوسي أريغاري عن أفلاطون[23] (في سياق تقاليد تأويليّة تمتدّ من أرسطو[24] إلى أفلوطين[25]) هي على وجه الدقة مفهوم “المادّة”.

وعلينا أن نتساءل هنا: ما الدور الذي أدّته “المادّة” أو “الهيولى” في رسم خطّة الميتافيزيقا حتى يضطرّ التفكير النسوي إلى استعادة السؤال عنها؟ تقول بتلر: “إنّ إقصاء العنصر الأنثوي من الخطاب المخصوص للميتافيزيقا قد وقع، حسب طرح أريغاري، ضمن صياغة ”المادّة” ومن خلالها”.[26]

إنّه في أفق هذا الاستشكال النسوي قد يمكن لنا أن نعيد قراءة بعض فصول كتاب الآراء بوصفه مقطعاً نموذجيّاً من طريقة المتفلسفة العرب في الانخراط الرسمي في تقاليد أنطولوجيّة ابتكرها اليونان، لكنّها لا تقف عندهم لأنّها تجد جذورها المعياريّة في تقسيمات “جندريّة” عابرة للّغات والثقافات، هي تلك التي يؤدّي فيها “الذكور”/ “الآباء” دور المصفوفة المعياريّة الجذريّة المهيمنة على كلّ مساحة الخطاب التي يقولها شعب ما عن نفسه.

قال الفارابي: “وكلّ واحد من هذه [المقصود هو ‘الأجسام الطبيعيّة’ التي ينتهي فيضها عند عتبة ‘الحيوان غير الناطق والحيوان الناطق’] قوامه من شيئين: أحدهما منزلته منزلة خشب السرير، والآخر منزلته منزلة خلقة السرير. فما منزلته الخشب هو المادّة والهيولى، وما منزلته خلقته هو الصورة والهيئة”.[27]

يقدّم الفارابي هذا التأسيس وكأنّه وضع بديهي يشير، حسب تعبير فيتغنشتاين، إلى “حالة الأشياء” أو إلى العالم كما يقع. ولذلك هو يستعمل “القوام”، أي شكل الوجود الذي بإمكانه أن يقوم بنفسه، أي أن يستمرّ في الهيئة التي هو عليها، دون أي استشكال آخر. إنّ وضع الموجود هو أنّه “قائم”. ولا يحتاج في أوّل أمره إلى أيّ توصيف آخر. ربّما ما تفترضه الفلسفة هنا هو أنّ الموجود “قديم”، لم “يخلق” من “عدم” (فالخلق والعدم مفهومان غريبان عن النظر الأنطولوجي، سوف يبتكرهما شعب آخر غير يوناني وضمن سرديّة غير فلسفيّة)، بل إنّ “مادّته” موجودة سلفاً، ولا يمكن أن يتعلّق السؤال إلّا بطريقة “تشكّلها” في الهيئة أو “الصورة” التي عليها كلّ موجود. لكنّ اعتماد وجهة نظر جندريّة سوف يلقي ضوءاً جديداً على المسألة.

لن نهتمّ هنا بالمشغل الأنطولوجي بما هو كذلك، بل بالاعتراض النسوي عليه بوصفه طرحاً بطركيّاً أو ذكوريّاً يخفي وراء الحياد الأنطولوجي للمقولات تورّطاً في سياسة جندريّة سائدة. ومن ثمّ فإنّ المسكوت عنه هنا هو التوقيع الجندري الذي لا نراه من فرط إرادة خطاب عملت دوماً وبشكل مبكّر على طمس معالمه.

من المفيد أن نعرف أنّ “هيولى” تعني في اليوناني “الخشب”، بل هو، حسب بتلر[28]، خشب مقطوع وتمّ تطويعه بشكل أداتي، ومن ثمّ هو ليس طبيعيّاً كما قد نظنّ بل هو “صنعة” جاهز للاستعمال؛ و”ما منزلته الخشب هو المادّة أو الهيولى”. وعلينا أن نتساءل: هل حقاً كانت لفظة “مادّة” مرادفاً تامّاً للفظة “هيولى”، أم أنّ العرب منذ الكندي قد فتّقوا معنى مستحدثاً لها؟[29]

إنّ المادّة كما يبسطها الفارابي “منزلة” وليست ماهيّة، وظيفة داخل علاقة مع “آخر” يمتلك منزلة خاصّة يتميّز بها هي منزلة “الصورة والهيئة”. إنّ الفارابي لا يفسّر سبب هذا التوزيع ولا وجاهته. لكنّه يقدّمه بوصفه مسلّمة أنطولوجيّة علينا الانطلاق منها، تفترض صراحة أنّ “المادّة وجودها لأجل الصورة، ولو لم تكن صورة ما موجودة، ما كانت المادّة. والصورة وجودها لا لتوجد بها المادّة، بل ليحصل الجوهر المتجسّم جوهراً بالفعل”.[30]

تقترح بتلر أن “نؤرّخ” (historicize) المفهوم اليوناني عن “الصورة” على نحو يمكن ترجمته في معنى “المبادئ المتغيّرة ثقافيّاً للحدوث والمعقوليّة، وأن نفهم صورة الأجسام بوصفها رابطة عرضيّة تاريخيّاً من السلطة/ الخطاب، هو أن نصل إلى شيء مشابه لما وصفه فوكو في المراقبة والمعاقبة باعتباره عمليّة ‘تمديد’ ‘(materialization) لجسد السجين”.[31]

ما يختفي وراء الحياد الأنطولوجي هو إذن المعنى المعياري للعلاقة بين ما منزلته “المادّة” وما منزلته “الصورة”، حيث علينا أن نستحضر الدلالة السياسيّة القديمة (لدى الروم والعرب) لمفهوم “المنزلة” (dignitas) الذي يربطه شيشرون (القرن الأوّل ق. م.) بمفهوم “السلطة” (auctoritas).

منذ أوّل وهلة تفرض الأنطولوجيا وضعاً لا يمكن التفاوض حوله: إنّه الطابع “غير المرئي” لما يسمّى “المادّة”. إنّ ما “منزلته” (من حيث هي كميّة من السلطة) أن يكون “مادّة” لغيره ليس له من “غاية” لوجوده سوى “الصورة” التي تهيّئه. إنّ “صورة” المادّة هي “ماهيّة” تقع في رتبة من الكينونة لا تراها، لأنّ تلك الصورة هي التي جعلتها ممكنة. وفجأة ينتصب تراتب هرمي قاهر بين الخشب والهيئة التي يأخذها. إذْ أنّ الصورة لا توجد كي توجد المادّة بل من أجل وجود من نوع آخر: “ليحصل الجوهر المتجسّم بالفعل”. إنّ المادّة تقع إذن في ماضي الجوهر وليس في حاضره. هي ما ينبغي أن ينساه كي يصير ما هو. إنّ الكائن “حصيلة” صيرورة (مادّة) لم يعد يراها لأنّها جزء متردّم في ماهيته. تلك الصيرورة -أي عمليّة “التمديد”- هي تاريخ المادّة الخاص، الذي ينبغي عليها أن تنساه من أجل ظهور “الصورة”: الصورة التي لا توجد من أجلها، فالصورة لا ترى مادّتها، بل من أجل شيء آخر هو “الجوهر”، ذاك الكائن الذي نجح في “التجسّم بالفعل”. الجسم إذن هو فاعليّة نجحت. وربّما لا توجد أجسام بالمعنى الجامد، بل مجرّد “تجسّمات” حصلت نتيجة تاريخ صامت لمادّة نسيت نفسها من أصل صورة لا تراها ولا تذكرها.

ومع ذلك فإنّ المادّة ظلّت تحتفظ بنوع من الثأر الأنطولوجي الصامت من “المنزلة” التي أخذتها مع ظهور الأجسام: إنّ “مادّة كلّ واحد منها قابلة لصورته ولضدّها، وممكنة أن توجد فيها صورة الشيء وألّا توجد، بل يمكن أن تكون موجودة في غير تلك الصورة”.[32]

إنّ فوكو، حسب قراءة بتلر، يوحي لأوّل وهلة بأنّه يعتبر أنّ المادّة تظلّ متميّزة أنطولوجيّاً عن علاقات السلطة التي تعاملها بوصفها “استثماراً” (investment) حيث تبدو “النفس” (أي “الصورة” في مقابل “المادّة”) بمثابة “أداة سلطة عبرها يتمّ تهذيب الجسم وتشكيله. بمعنى ما، هي تعمل بوصفها شكلاً (schema) مشحوناً بالسلطة من شأنه أن ينتج الجسم وأن يحقّقه بالفعل”.[33]

علينا بذلك أن نميّز المادّة عن “العدم”. إنّها ليست ضرباً باهتاً من اللّاوجود. بل هي ما يجعل اللّاوجود ممكناً. إذْ تفترض أنطولوجيا الجوهر بذلك أنّ المادّة لا يمكنها أن تتحرّر من قدرها إلّا بشكل سالب: في شكل “قابليّة” مفتوحة، للهويّة ولضدّها، وللوجود وللّاوجود، للهو هو ولغيره. “الضدّيّة” و”اللّاوجود” و”الغيريّة” هي الثروة المعياريّة المتبقية للمادّة متى تمرّدت على وضعها الأنطولوجي القائم على أولويّة (خطاب/ سلطة) الصورة وغائيّتها، وعلى جوهريّة المتجسّم بالفعل. إلّا أنّ ذلك يعني أنّه لا يمكن للمادّة أن تقوم بتمرّد “هووي”. كلّ ما يمكن للمادّة أن تثبت به نفسها هو أن تقبل “تعاقب الصور على الهيولى” كما يقول الفصل التاسع عشر من الآراء. ثروة المادّة هي التكرار والتعدّد من خلال التضاد.

“كلّ مادّة شأنها أن توجد لها هذه الصورة وضدّها”[34]. تبدو هذه “القابليّة” للأضداد بمثابة ثأر أنطولوجي من “الصورة” المتعيّنة في كلّ مرّة. إنّ تعاقب الصور على الهيولى ليس تفوّقاً إذن، بل ثأر سلبي من “هويّة” الموجود بوصفه “جوهراً” صار “متجسّماً بالفعل”. تدّعي الصورة أنّها توجد من أجل “جوهر” لا يمكن للمادّة أن تصيره أبداً، وهو الجسم. هذا الانتصار الهووي للصورة على المادّة تقابله المادّة بفاعليّة من نوع آخر: بقدرة غير متعيّنة على الضدّيّة واللّاوجود والغيريّة. وبذلك نرى كيف أنّ الفارابي قد أقام تقابلاً معياريّاً بين صنفين من الأجسام: صنف له “حقّ واستئهال بصورته”، وصنف له “حقّ واستئهال بمادّته”؛ فمن كان صورة، فهو يحقّ له “أن يبقى على الوجود الذي له”، ومن كان مادّة، فإنّه يحق له “أن يوجد وجوداً آخر مضادّاً للوجود الذي له”.[35] الصورة علامة “هوويّة”، هي مكافأة أنطولوجيّة على الديمومة؛ لكنّ المادّة علامة “غيريّة”، هي مكافأة أنطولوجيّة على القدرة على التضادّ.

لكنّ المثير هنا هو كلام الفارابي عن “حقّ واستئهال بالمادّة” وليس بالصورة فقط. وبالنسبة إلى قارئ معاصر فإنّ حقّ المادّة واستئهال المادّة إنّما يبدو أكثر طرافة معياريّة: على عكس حقّ الصورة الذي يتلخّص في “أن يبقى على الوجود الذي له”، أي الحقّ في الهويّة الدائمة، يبدو حقّ المادّة واعداً بأن “يوجد وجوداً آخر مضادّاً للوجود الذي له”، فهو وعد بالآخريّة والضدّيّة واللّاهويّة، نعني بالشروع في بداية ما لا نعرفها. وهي فضائل أنطولوجيّة لا يبدو أنّ أنطولوجيا الجوهر قد منحتها وظيفة موجبة في مهمّة الكشف عن معنى الموجود. وعلى عكس الصورة التي تبدو مقيّدة سلفاً بمنزلة لا يمكنها التحرّر منها، “لم تكن تلك المادّة أولى بأحد الضدّين من الآخر”.[36] ثأر المادّة هو أنّها لا تعترف بأيّ “أولويّة” لما يتعاقب عليها. ليس هناك ضدّ أوْلى من ضدّ آخر بالوجود. إنّ المادّة حرّيّة أنطولوجيّة تجاه الصور المتعاقبة عليها. ومن الطريف حقاً أنّ الفارابي يعتبر الإقرار للمادّة “بحقّ واستئهال” في أن تكون أيّ وجود “آخر” ـأي بالحقّ في الآخريّةـ وبالتالي يعتبر أنّ “تعاقب الصور” -الحقّ في التكرار- إنّما هو “لأجل الحاجة إلى توفية العدل في الموجودات”.[37]

إنّ الصيرورة، أي تعاقب الصور على هيولى واحدة، هي إذن ضرب من العدل الأنطولوجي وليس خطأ في الكينونة: إنّ ما يوجد لا يمكن أن يكون خالداً “بالشخص” -الخلود ليس مشكلاً شخصيّاً- لذلك هو يمكن أن يبقى “واحداً بالنوع”، من حيث إنّ “النوع البشري” هو مساحة تشكيليّة بلا توقيع نهائي أو واحد، وذلك من خلال تعاقب الصور على مادّة لا حدود لها، و”ذلك على هذا المثال دائماً”[38]، في أفق أبديّة مفتوحة بلا آخرة. ومن ثمّ هو يقبل بأن يكون كلّ جسم “مادّة لجسم آخر” (مادّة لا تملك شكلها) أو “آلة تخدم جسماً آخر” (ما لا يكون جسماً هو ما يزال مادّة جسم آخر لم يتشكّل). لكنّ وراء هذا البيان الأنطولوجي إنّما توجد سياسة للموجودات قائمة على تراتب ليس فقط بين المادّة والصورة، بل بين الموجودات نفسها من حيث هي “أجسام”.

وعلينا أن نؤكّد هنا على أنّ طرافة مفهوم “المادّة” هنا هي في توفير أرضيّة قويّة للسؤال عن طبيعة “المشترك”.

قال: “وأيضاً فإنّ هذه الموجودات لمّا كانت متضادّة، كانت مادّة كلّ ضدّين منها مشتركة. فالمادّة التي لهذا الجسم هي أيضاً بعينها مادّة لذلك، والتي لذلك هي أيضاً بعينها لهذا؛ فعند كلّ واحد منهما شيء ما لغيره، وعند غيره شيء هو له. فيكون كأنّ لكلّ واحد عند كلّ واحد من هذه الجهة حقاً ما ينبغي أن يصير إلى كلّ واحد من كلّ واحد”.[39]

من اللّافت للنظر أنّ “الموجودات” في الجمع وليس في المفرد. المفرد ليس أصلاً. ولأنّ الكثرة وضع أصلي للموجودات، فإنّ الفارابي يسلّم بأنّ “التضادّ” بين الموجودات هو معطى أنطولوجي لا رجعة عنه. وهنا تؤدّي المادّة دوراً حاسماً: إنّ المادّة هي “المشترك” الذي يجعل التضادّ بين “العين” و”الغير” ممكناً. ما يوجد “بعينه” (لذاته) هو يضادّ ما يوجد “عند غيره” (خارج ذاته). لكنّ التضادّ بينهما يظلّ بلا معنى في غياب مادّة مشتركة. وهكذا لم تكن “الغيريّة” هوّة مظلمة خارج كلّ ذات، بل هي حسب الفارابي نوع من الاشتراك الأصلي في “شيء” يظلّ غامضاً لأنّه بلا صورة، ومع ذلك هو نوع من “الحقّ” الذي “ينبغي أن يصير إلى كلّ واحد من كلّ واحد”.

الوجود هو صيرورة بريئة تنقل “حقاً” في الغيريّة من طرف إلى آخر. لكنّه حقّ يظلّ دوماً خارج الذات: لا أحد يمتلك ما يشترك فيه مع غيره. هذا الحقّ “عند الغير” هو غير متاح إلّا في شكل صيرورة. لكنّ الصيرورة ليست مجرّد تغيّر في المادّة، بل هي طريقة المادّة في أن تصير شيئاً آخر: “أن تكتسي صورة” ذلك الشيء “بعينها”؛ إنّها صيرورة “التماهي”، كما في حالة “التغذّي” مثلاً. “الجسم الذي يتغذّى بجسم آخر” لا يمكن أن يقوم بذلك إلّا من خلال إلغاء هووي لضدّه.

لكنّ الفارابي يقترح نوعاً آخر من الصيرورة: تلك التي لا تلغي وجود الآخر بل “تخلفه”: فهي “مادّة سبيلها أن تكتسي صورة نوعه لا صورته بعينها، مثل ناس يخلفون ناساً مضَوا”.[40] إنّ الإنسان لا يصير إنساناً آخر إلّا بقدر ما “يخلفه” في وجود آخر لم يكنه. لا يمكن أن نصير أيّاً كان إلّا على مستوى “النوع”. ومن ثمّ هي ليست صيرورة مادّيّة؛ إنّها صيرورة تكتسي “صورة النوع” لا صورة الشخص. وهذا يعني أنّ كلّ كائن بشري هو مقطع من صيرورة أنطولوجيّة في صورة النوع؛ هو “يخلف” كلّ الناس الذي مضَوا، لكنّه لا يخلف أحداً بعينه. هذا يعني أنّ الصيرورة لا توقيع لها؛ هي لا تحدث إلّا في شكل تكرار لصورة نوعيّة لا يمتلكها أحد بعينه، لكنّها صورة مشتركة للجميع. ليس هناك صيرورة من دون استخلاف. لكنّه لا يعدو أن يكون اكتساء لصورة النوع، وليس لهذه الفرديّة أو تلك. إنّ الإنسان إذن برنامج استخلاف متواصل من خلال صيرورة لا تكرّر أحداً، ومن ثمّ هي حركة وجود بلا ذات جاهزة، لأنّها قدرة غير مرئيّة على الغيريّة، بحث دؤوب عن حقّ لا يوجد إلّا “عند الغير”، ولا يمكن استرجاعه إلّا من خلال المشترك. لكنّ المشترك ليس “عينيّاً” أبداً، بل هو تبادل للغيريّة بلا شروط.

قال الفارابي: “والجسم إنّما يكون مادّة لجسم آخر، إمّا يوفيه صورته على التمام، وإمّا بأن يكسر (جزءاً) من صورته وينقص من عزّته. والذي يكون آلة تخدم جسماً آخر فإنّما يكون آلة بأحد هذين أيضاً: وذلك إمّا بصورته على التمام، وإمّا أن يكسر قليلاً من عزّة صورته مقدار ما لا يخرجه ذلك عن ماهيته، مثل ما يكسر من زعارة العبيد ويقمعهم حتى يذلوا فيخدموا”.[41]

نحن نعثر هنا على وثيقة أنطولوجيّة رائعة على معنى “توفية العدل في الموجودات” كما فهمه القدماء: العدل القائم على “التراتب” بين الموجودات في شكل تمييز تفاضلي بين المادّة والصورة تتمّ ترجمته في كلّ هائل من المقولات المعياريّة للسيطرة على مساحة الخطاب حول الوجود. ومن ثمّ ينكشف وراء هذه الخطّة في توزيع الموجودات نوع من سياسة الحقيقة سوف نقف على ضراوتها الخاصّة عندما يتعلّق الأمر بتفسير “فيض” الذكر والأنثى حسب أنطولوجيّة الجوهر.

يركّز الفارابي معنى “الخدمة” في مستوى “الصورة”: ما/ من يمتلك شكلاً نهائيّاً لنفسه لا يمكن أن يكون مادّة لكائن آخر. ولذلك فإنّ ماهيّة الخدمة تكمن في “كسر” جزء من صورة أنفسنا أو في التضحية بها في جملتها. إنّ “الخادم” هو من يضحّي بصورته ويتحوّل إلى مادّة جسم آخر يكون بمثابة “رئيس” له. فالعلاقة بين الخدمة والرئاسة هي علاقة بين مادّة وصورة.

نحن نعثر هنا على “نزاع اعتراف” من نوع غير هيغلي، لأنّه مفكَّر فيه في نطاق برادايم الوجود، حيث لا يمكن لما يحدث في “الذات” أن يغيّر العلاقة. لقد ظلّ الفارابي أسير أنطولوجيّة الجوهر، حيث إنّ الجسم/ الآلة لا يصبح خادماً إلّا بأن “يكسر جزءاً من صورته وينقص من عزّته”: “كسر” الصورة هو كسر الهويّة أو شكل النفس. ولذلك هو “إنقاص” مباشر من “العزّة”، أي من درجة “السيادة” التي تؤهّل موجوداً ما كي يحفظ وجوده بذاته. علينا أن ننبّه إلى أنّ الفارابي يشترط هنا أن يتمّ ذلك “مقدار ما لا يخرجه ذلك عن ماهيته”: لا يمكن استعمال الأجسام خارج حدود ماهيتها، أي خارج حدود جنسها من الموجودات.

لا يعني “كسرُ صورة” موجود ما أو كسر جزء منها أن يُعاد إلى مادّته وهي ما تزال بلا غاية، قابلة للأضدّاد. يتعلّق الأمر على الأرجح باستعمال في حدود الماهيّة: إنّ “تصوير” المادّة فرض شكلٍ من “النفس” على “جسم” ما) هو عمليّة “إخضاع” (subjection) لكنّه ليس إعداماً، بل هو نوع من “التذويت” (subjectivation). وإنّ درس فوكو، حسب بتلر، هو اعتبار “النفس” أداة سلطة تخضع الجسد لكنّها تشكّل ذاتيته.[42] لم يكن خطاب “الصورة” (خطاب السلطة) موقفاً عدميّاً، بل كان موقفاً سياسيّاً أو معياريّاً: إنّه يستعمل الأجساد في حدود ماهيتها، نعني أنّه حريص على ألّا يُخضع الأجساد إلّا بقدر ما يخترع لها ماهيّة جديدة.

ثمّة إذن حدود أنطولوجيّة يجب التقيّد بها عندما نفهم علاقة “الخدمة” بين جسمين. لكنّ ذلك يعني أنّ خدمة الجسم “بصورته على التمام” -أي الخدمة التي تقوم على “التماهي” مع جسم آخر- هي مع ذلك لا تخرج ذلك الجسم عن ماهيته. كأنّ خدمة جسم لجسم آخر هي حركة ما تزال في نطاق ماهيّة الموجود المؤسّسة سلفاً على المشترك. وهكذا ضرب الفارابي مثال العبيد. “كسر زعارة العبيد” و”قمعهم حتى يذلوا فيخدموا” لا يبدو عند الفارابي تدميراً لماهيتهم، بل مجرّد استعمال لتلك الماهيّة. كأنّ العبوديّة هي مجرّد استعمال للأجسام في حدود ماهيتها من أجل أن “تخدم” أجساماً أخرى. لا تكمن الماهيّة هنا في العبوديّة (المادّة المحضة) بل في معنى الخدمة (عمليّة “التصوير”): بما هي استعمال للأجسام في حدود ماهيتها. لا يناقش الفارابي مشكل العبوديّة، بل يعتبرها مثلاً مناسباً عن طبيعة الموجودات. لكنّه لا يعتبر الكسر والقمع والإذلال مطالب أنطولوجيّة؛ بل ينظر إليها بوصفها مثالاً سياسيّاً جيّداً على الصيرورة الأصليّة التي تولّدت عنها الأجسام عامّة: علاقة خطاب السلطة (الصورة) مع جسم الخاضع لها (المادّة). ولا تبحث الصورة (من حيث هي بناء معياري للأجساد) إلّا عن مادّة مناسبة لها (توفّر حقل رغبات لا غاية له إلّا حفظ الصورة وتأمين تعاقبها).

عن فريق تحرير فيسمغازين بالعربي

x

‎قد يُعجبك أيضاً

راسين خير من راس

راسين خير من راس بقلم : هشام درويش

عديت نهار كامل وانا نلوج في راس الفتلة ونتبع في الغرزة .. مشيت منا .. ...